د. حسين علي محمد يشرب القهوة في فندق الرشيد !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

د. حسين علي محمد يشرب القهوة في فندق الرشيد !

مُساهمة من طرف Admin في الأحد يناير 09, 2011 10:48 am

الدكتور حسين علي محمد يشرب القهوة في فندق الرشيد !

بقلم : مجدي محمود جعفر
ضمن سلسلة كتاب الرسالة صدر للشاعر والأديب والناقد الأدبي المعروف الدكتور حسين علي محمد ديوانين في مجلد واحد :الأول بعنوان ( المتنبي يشرب القهوة في فندق الرشيد ) والآخر بعنوان ( رحيل الظلام ) ، وسنتناول في هذه العجالة الديوان الأول ، راجين أن نتناول الديوان الثاني في مقال لاحق .

يضم ديوان ( المتنبي يشرب القهوة في فندق الرشيد) عشرون قصيدة ، كتبها الشاعر ما بين عامي 1977م ، 2007م ، وهي كالتالي كما وردت حسب ترتيبها في الديوان :

1 – فتنة في 26|12|2005م

2 – لا في 11|5|2005م

3 – شمس صباح آخر في 12|2|2006م

4- صهيل قادم في 1|5|2006م

5- ليلى .. لا تجدد أحزان قيس ! في 9|4|2007م

6 _ وحدة في 23|2|2006م

7- خيط الوهم في 18|3|1987م

8- محاورة وجه لا يغيب في 17|3|1981م

9- قطرات من دم الحسين في 4|12|1979م

10- صوب قلبك في 20|1|2006م

11- الخطبة الأخيرة لمسيلمة الكذاب في 29|1|1996م

12-خداع في ..........

13- وحل في 3|11|200م

14- العودة في 23|5|1989م

15- مطر .. مفاجئ ! في 24| 5 |2007م

16– أيا دار عبلة عمت صباحا ! في 14|5|2001م

17- المتنبي يشرب القهوة في فندق الرشيد في31|12|2003م

18- حظك هذا الأسبوع في 1|4|1977م

19- رواية أخيرة للعشق الذاوي في 12|11|2007م

20- لما يأت زمن بلقيس في 10|11|2007م

وننوه أن القصيدة رقم 12 والتي تحمل عنوان ( خداع ) كما هو مُثبت في الفهرست ، سقطت من الديوان ، وجاءت الصفحة رقم 29 خالية منها ، وعلى الناشر أن يتدارك هذا في الطبعات المقبلة ، وتعود القصيدة إلى موقعها في ص 29 ، وهذه واحدة من آفات وأخطاء الطباعة عندنا ، وسقوط قصيدة من الديوان ليس بالأمر الهين ، فقد تكون هذه القصيدة هي مفتاح القارئ والناقد للولوج إلى عالم الشاعر الشعري ، وقد يلتقط القارئ منها خيط البداية وينطلق من خللها إلى القصائد الأخرى ، قد تكون البؤرة الضوئية التي تكشف للناقد عوالم الديوان ، قد تكون بمثابة النواة ، أو المركز ، وحتى يرد الله غربتها سنحاول أن نكتب هنا رؤيتنا حول هذا الديوان .

نلاحظ أن الشاعر ضمّن هذا الديوان قصيدتين كتبهما في سبعينيات القرن الماضي وهما : ( حظك هذا الأسبوع ) و( قطرات من دم الحسين ) ، ومن ثمانينيات القرن الفائت أيضا جاءت قصائد : ( خيط الوهم ) ، ( محاورة وجه لا يغيب ) ، ( العودة ) ويلحظ القارئ أن قصيدتيّ السبعينيات تعكسان الهم الوطني والقومي ، المحلي والعالمي ، إذ هي فترة التحولات التي شهدت انتكاسات جيل أُجهضت أحلامه ومعاهدة السلام المزعومة وتفرق وتمزق عربي وإسلامي وثورة شيعية وحرب إيرانية عراقية وعربدة أولاد القردة بعد أن حيدت مصر أو جعلتها تستسلم وتسلم ، كما عكست قصائد الثمانينات هجرات المصريين بعد أن ضاقت بهم سُبل الرزق والمعيشة في وطنهم ، فبرحوا الديار إلى الصحراء تاركين الوادي الأخضر أو الذي كان أخضرا ، وتتوالى بعد ذلك القصائد التي تعكس هموم الذات | ذات الشاعر ، وذات الجماعة ، حيث يزداد الوضع في مصر سوءا ويزداد قتامة ، وينسحب هذا على الأمة العربية والإسلامية ، ونصير في ذيل قائمة الأمم ، بعد أن تعرضنا للتغريب والتهميش ، وتضيع بغداد !!! وهي النهاية المأساوية التي أفقدت الشاعر توازنه تماما .

إذن شاعرنا لم ينفصل عن الجماعة ولم يجنح إلى التغريب والإنعكاف على الذات وحدها يمتح منها ، كما فعل غيره ، بل تماهى مع هموم الوطن ومشاكل الأمة ، يعي تماما في كل الأحوال دور الشاعر ، ووظيفته ، ووظيفة الشعر .

وسأتناول الديوان في هذه العجالة من خلال محورين :

المحور الأول : المرأة

وقد تناولها الشاعر على مستويين

1- المرأة على مستوى الواقع

2- المرأة على مستوى الحلم

المحور الثاني : البُعد السياسي وعلاقة المثقف بالسلطة.

أولا : المرأة

1 – المرأة على مستوى الواقع :

عبرت قصيدة ( خيط الوهم ) عن المرأة على المستوى الواقعي أفضل تعبير ، ترك الشاعر لها الحديث لتعبر ، عبر أكثر من ثلاثة صفحات ، عن أوجاعها ، وأحزانها ، وهذه المساحة التي تركها لها الشاعر للحديث وآثر هو الصمت ، تؤكد أن شاعرنا تقدميا ، يؤمن بحرية المرأة ودورها ، ويؤمن بالحرية كقيمة عليا ، فعلا وسلوكا وممارسة لا قولا أجوف وطنطنة فارغة ، وجعل المرأة تمارس هذه الحرية ، وقلما نجد شاعرا من شعراء العرب يعطي للمرأة هذه المساحة للتعبير ، ويُؤثر هو الصمت لتفضفض هي ، وتعبر عن كل ما يجيش بصدرها .

بروز صوت المرأة هنا ، واحتلالها لهذه المساحة ، وخفوت صوت الشاعر أو اختفاءه ، قدم لنا نصا مغايرا ، كشف عن هموم المرأة ومشاكلها حينما يغادرها زوجها ، تاركا لها إرثا ضخما من المعاناة النفسية والمكابدات المادية ، ومجابهتها وحدها الحياة مع أولاد تخلى عنهم أباهم ، متعلقا بسارية الوهم ، كما جاء على لسان الزوجة ، قد يكون وهم الثروة أو غيرها ، فالفضاءات هنا واسعة للتخيل .

وهذا النص ، أعتبره نصا استثنائيا في ظل النصوص الذكورية التي أبدعها الشعراء العرب ، ولم يعطوا للمرأة ولو سنتيمترات قليلة من حقها لتعبر عن نفسها ، وتمارس فعلا حرية هذا التعبير ، عن أحزانها ، وأوجاعها ، ولكن الشعراء يستلبون منها هذا الحق ، ويُنصبون أنفسهم أوصياء عليها ، وينوبون هم في التعبير عنها ، وكأنها لم تزل طفلة ، لم تبلغ سن الرشد بعد ! وكأنها بحاجة دائما إلى من يعبرون عنها ، فيقومون هم بهذا الدور ، ويمارسون ديكتاتورية الخطاب ، ونلاحظ دائما أن سلبية الخطاب للمرأة هو المهيمن على النصوص التي يبدعها الذكور ، وفي هذا النص نجد الشاعر قد أعطاها الحرية ، ومنحها الحق في التعبير عن نفسها ، ولم ينادي الشاعر بالحرية قولا ، ولكنه قولا وفعلا كما قلت وسلوكا وممارسة ، ويجعل هذه المرأة تمارس الحرية في هذه القصيدة وغيرها فعلا بلغتها هي ، وبأحاسيسها هي ، وبمشاعرها هي ، وهذا تصرف فني جديد ، واستخدم مفردات ولغة ( أنثوية ) إذا جاز هذا التعبير ، ولم يكن هناك من أثر لمفردة ذكورية ، كما هو شائع في نصوص الشعراء العرب ، حيث نجد المرأة في معظم النصوص العربية تتحدث بلغة ذكورية .

والشاعر قدم لنا في هذا النص ، امرأة من لحم ودم ، طالعة من رحم هذه الأرض ، ومن طين هذا الوطن ، وجاءت اللغة بسيطة ، بساطة هذه المرأة ، التي تحمل تراث وموروثات المرأة المصرية عبر آلاف السنين ، جاءت اللغة واقعية ، معبرة عن واقع هذه المرأة :

( مع أولادك أتعذب | من سنة لا أحسبها من عمري )

( سنة كاملة .. لم تشعرني أني زوجُك )

( من حفيت قدماك قديما .. كي تتزوجها ..! )

(عشت بحضنك أجمل أيامي ! )

هذه اللغة الشعبية التي تتواتر على ألسنة المرأة في مصر والتي قام الشاعر بتفصيحها ، ناسجا منها لغة فنية راقية في حواريته الجميلة ، وتلك المرأة التي تمارس حرية الخطاب في هذه الحوارية ، وتعود بنا إلى فطرتها وموروثها الشعبي ، هذا الموروث متناثرا في كلماتها :

( أرض عاقر – كلماتك كالأحجار – وجه الاعصار – يجرفك التيار .... إلخ )

وتتماس مع الموروث الديني الشعبي :

( عشت حياة قاسية لم تطرقها كفُّ الوعد !)

( إني امرأة لا يأتيها السعد

.. فمتى تُسعدُني يارب ! )

مثل هذه المرأة ، التي مارست حرية الخطاب ، تثير قضاياها ، وهمومها الحياتية بذكاء أنثوي نادر ، فالزوج غادرها إلى بلاد الغربة ، ويبدو أنه استطاب له المقام هناك ، وتريد أن تستعيده إلى حضنها وحضن الوطن .

تحدثه عن هموم الأولاد وعذاباتها معهم :

( مع أولادك أتعذبُ )

ثم عن احتياجها له فتذكره :

( سنة كاملة .. لم تُشعرني أني زوجُك

زوجُك تلك المحبوبة

من حفيت قدماك قديما .. كي تتزوجها ! )

وهي تمهد له بذكاء أنثوي فريد ، وتدخل له من زوايا عديدة ومتعددة ، من زاوية الحب القديم مرة ، ومن زاوية الأولاد مرة ، ولم تعدم الحيل والوسائل .

وهي تحاوره تقول :

( أنني أحببتك ذات صباح أخضر !

عشت بحضنك أجمل أيامي ! )

إذ تذكره بحبها له ، وأنها عاشت في حضنه أجمل أيامها ، فإن ذلك تمهيدا لعتابها له :

( لكني إذ أبصرتُك تبعدُ عني

قلتُ : غدا سيعود ! )

إذن هي لا تفقد الأمل في عودته ، بل تؤكد هذا الأمل :

( قد يهطلُ ذاك المطرُ الغائب – عنا – ذات صباح ! )

لاحظ أنها أحيانا تتحدث بصيغة المفرد ، وأحيانا أُخر بصيغة الجمع ، وحينما تتحدث بصيغة المفرد يكون هذا لسان حالها هي ، وعندما تتحدث بصيغة الجمع يكون لسان حالها وحال الأولاد معا ، والذكاء في استعمال مفردتي ( عني – وعنا ) تقول بصيغة المفرد :

( لكني أبصرتُك تبعد عني )

وكأنها أرادت أن تقول أنه لو كان هناك بُعد ، فعنها ، وليس عن الأولاد ، وتدخر الأولاد وتستعملهم في الوقت المناسب ، فإذا كانت العلاقات الزوجية تمر بأوقات فتور ، يمل الزوج فيها الزوجه ، فعلى الزوجة العاقلة أن تحاول أن تعيد المياه إلى مجاريها كما يقول المثل ، والزوج غادر الزوجة والديار والأولاد إلى بلاد الغربة متعلقا بسارية الوهم كما تقول الزوجة ، قد يكون وهم الثروة ، وقد يكون الهروب منها أو .. أو .. وتسلم بأنه إذا كان هناك سبب للبُعد فعنها ومنها إذا دعت الحاجة واقتضت الضرورة ، أما الأولاد لا يمكن أن تغادرهم وتبعد عنهم في اصرار ، فتقول بصيغة الجمع :

( قد يهطلُ المطرُ الغائبُ – عنا – ذات صباح ! )

إذن قد يجئ الزوج المهاجر ، إن لم يكن من أجلها ، فمن أجل الأولاد ، أو من أجلها هي والأولاد معا ، وكأن لسان حالها يقول :

إذا لم تكن عودتك من أجل خاطري فمن أجل خاطر الأولاد !

وتتساءل ببراءة :

( أأنا واهمة في ظني ؟ )

وتحاول أن تعاتبه مرة أخرى :

( ولماذا كلماتك متباعدة ؟

ولماذا لم تطلبني في الهاتف أبدا

تخبرني عن أحوالك ؟

تسأل عن حال الأولاد ، الجيران ، العمة ؟ )

وهنا تذكر الأولاد صراحة ، بل تتوسل له بكل من يحبهم : الأولاد ، الجيران ، العمة .

وتسرد جوانب مهمة ومؤثرة من حياتهما الماضية معا :

( كانت كلماتُك تدميني في السنوات الخمس الأولى :

-إنك أرض عاقر ..

لا تُنبت ُزهرا بين يديا !

كانت كلماتُك كالأحجار ؟

لكني لم أطلب منك

ها قد منّ الله علينا .. بالإثمار

ها قد أعطانا الله ثلاثة أولاد )

وإذا كان الله قد منّ عليهم بنعمة الإنجاب ، بعد عقم دام لسنوات ، فإن هذا أولى بأن يكون بجانبهم ولا يغادرهم أبدا

( فلماذا تذهب للصحراء وتتركهم

في وجه الإعصار ؟ )

وهكذا تسير حوارية ( خيط الوهم ) ، يعلو الحوار ويهبط حسب مقتضى الحال ، وقد أمسكت هذه المرأة بتلابيب الحوار ، ولم تدعه يفلت منها ، وأدارته بذكاء ومهارة ، وكشفت من خلاله عن الكثير من مجاهل النفس وخبايا الروح ، وكشفت أيضا عن واقع معيش ، دون طنطنة أو زعيق .

2 – المرأة على مستوى الحلم :

وتظل المرأة | الحلم تطارد الشاعر ، وهي حلم مراوغ ، يحاول الإمساك به ، والقبض عليه ، والمرأة | الحلم في ظني ، هي التي تفجر الشعر عنده ، بل هي أحيانا القصيدة نفسها .

فالشاعر يبحث عنها ، تارة في بثينة ، وتارة أخرى في ليلى ، وتارة ثالثة في عبلة ، وغيرهن ، وهذه المرأة مفتقدة في هذا العصر ، فليلى مثلا هي التي صنعت لخياله جناحا وجعلته يحلق ، ويحلم :

( كنت التي صنعت للخيال جناحا

فطار

يرافقنا في المساء الحنين

فنحلم )

وهو يبحث عن عالم البكارة الأول :

( تعالي إلى عالم لم تفض السنون بكارته )

ويقول :

( تجيئين مثل الفراشة ،

همسُك ظل يؤرقني بالحكايا القديمة )

ويقول أيضا :

( أنت اخضرار الربيع

الذي في الرؤى .. )

و :

( وأنت .. أيا عبلُ الطريقُ

فغادري..

جنوحك..

هيا طيبي لي جراحيا !

تعالي إلى الدرب القديم

مرزأ

فكوني شفائي

لا يطول انتظاريا )

إذن ثمة امرأة | حلم ، يبحث عنها الشاعر ، لا وجود لها على أرض الواقع ، فراح يبحث عنها في بثن وعبل وليلى وأخريات ، لتفجر فيه القصيدة ، والمرأة التي يبحث عنها الشاعر ، امرأة كونية ، تحل في الفراشات ، وفي اخضرار الربيع ، تسع أحلامه ، أحزانه ، أفراحه ، تطبب جراحه ، تثير الخيال ، بل تصنع له جناحا ، بدونها لاتحليق ، ويظل العصفور كسيحا ، وعصفورنا | شاعرنا يريد أن يحلق حتى يأتي الشعر ، وهي الخيال وهي ينبوع الشعر ووحيه والهامه .

ثانيا : البُعد السياسي وعلاقة المثقف بالسلطة .

السياسة تطل بمخالبها في قصائد شاعرنا ، لتلقي عليها مسحة من الحزن ، فحظ الشاعر التعس أنه جاء في زمن الانتكاسات والنكسات والانكسارات . زمن ضنين ، زمن ( مسيلمة الكذاب ) الذي يعلن في خطبته الأخيرة للأتباع : ( سأظلُّ في ليلي البهيم أقاومُ النور الجسور )

ففي هذا الزمن ( النكد المستريب ) بتعبير الشاعر ، كل الحكام فيه ( مسيلمة الكذاب ) ، لا يطيقون الضياء ، ويقاومون النور الجسور بجسارة ، ففي زمن كهذا :

( كيف تطل العصافير ..

كيف يجيئ الكلام الجميل )

إذن السياسة تلقي بظلالها الكئيب على الشاعر فنراه نكدا حزينا ممرورا .وشاعرنا لا ينسى أنه من أمة ، ذات حضارة عريقة وتاريخ ممتد ، وعبر هذا التاريخ الممتد والتراث العريض ، يمضي ويسافر وينقب ، باحثا عن حلول لما نحن فيه ، فيستدعي شخوصا من هذا الزمن أو ذاك ، ويتماهى مع هذه الشخصية أو تلك ، ويحل فيها ، ويظل الواقع أعنف ، وأقسى ، وأمر ، فالشخصيات التراثية التي استرفدها من التراث عجزت عن التعامل مع هذا الواقع وفشلت في التحاور معه وتقديم الحلول له .

وشاعرنا يملك ذكاءا حادا وأسلوبا فريدا – في توظيف الشخصية التراثية ، ولننظر كيف وظف شخصية زرقاء اليمامة في نهاية قصيدته ( حظك هذا الأسبوع ) وهي أطول قصائد الديوان ( ثمان صفحات تقريبا ) . حينما يذكر الشاعر اسم شخصية تراثية ، فإن الشخصية تلقي بظلالها الثقافية والتاريخية على المتلقي ، فعندما يذكر الشاعر بثينة مثلا فالقارئ | المتلقي يستدعي في ذهنه جميلا أيضا وقصة غرامه مع بثينة ، وعندما يذكر عنترة يستدعي القارئ | المتلقي عبلة وقبيلة عبس ونضال عنترة في سبيل الحب والحرية .

وعندما يذكر المتنبي – لا يأتي -المتنبي _ الشاعر النبي وحده ، بل يطل علينا العصر العباسي بأكمله ، وعندما يذكر الشاعر قيسا أو ليلى فيتداعى إلى ذهن القارئ الحب العذري وزمن البراءة وعندما يذكر الشاعر الحسين فتتداعى إلى أذهاننا قصة حياة وكفاح هذا الشهيد سبط الرسول صلى الله عليه وسلم أو يذكر الشاعر زرقاء اليمامة أو سبأ ، أو غيرها من الشخصيات التي يستدعيها الشاعر من التراث ، وشاعرنا ذهب إلى عصور متباينة ومتعددة ومختلفة في محاولة جادة منه لاستدعاء شخصية من هذا العصر أو ذاك لإيجاد حلول لهموم ومشاكل هذا العصر التي استعصت على الحل ، ترى هل تنجح هذه الشخصيات في إيجاد الحلول لنا ؟

فلننظر إليه كيف وظف زرقاء اليمامة في مطولته الشعرية ( حظك هذا الأسبوع ) فيقول :

(ومدينتك الليلة .. تنتظر رحيل الزرقاء

سملوا عينيها في الفجر

وغنوا سعداء :

لا نحتاجك يازرقاء ، فليس لنا أعداء )

فعندما يسملوا عيني زرقاء اليمامة ، ويشيعوها فرحين في الفجر ، فإنهم بذلك يقتلون رمزا – ومعلما مهما على الاستبصار والنبوءة ، يقتلون رمزا – دالا – على انقاذ العباد والبلاد من الأعداء ، ولكنهم يعلنون :

( لا نحتاجك يازرقاء ، فليس لنا أعداء )

فمسيلمة الكذاب وكلهم مسيلمة ، يقتلون الحقيقة ويمارسون القهر ويغيبون الشعوب ، ومطولة شاعرنا ( حظك هذا الأسبوع ) تعري حكام هذا الزمان وأفعالهم المزرية وتكشف أيضا زيف مثقف هذا الزمان الذي ينضوي تحت عباءة السلطة ، وأصبح بوقا للسلطة من أجل منصب أو جاه أو حفنة مال . ويظل الشاعر وحيدا خارج الصف ، خارج السرب :

( لم أهمس للغيلان

ولم أمش بموكب تلك الدببة

لأبيض وجه الأيام الحالكة السوداء !!

لم أمش بركب الخونة ، لأغني ذاك الليل ..

لم أكتب أحجية للصمت أو القهر

لم أشرب دم أصحابي . ذات مساء

أو أطعنهم في الظهر !! )

وعلاقة المثقف بالسلطة يثيرها الشاعر في أكثر من موضع في قصائد هذا الديوان وهذه إشكالية سنفرد لها مبحثا مستقلا في وقت لاحق .

اختار شاعرنا أن يكون مناوئا للسلطة التي يمثلها مسيلمة الكذاب ، اختار الشاعر الشعب وصفوف الفقراء ليكون ضميرهم ، وحين عبر عن البسطاء كان بسيطا مثلهم ، مستخدما لغتهم ، لم يتعال عليهم ، انظر إليه وهو يعبر عن حال المواطن البسيط الموظف والمثقف الذي يعاني قسوة الحياة وشظف الأيام ، انظر إلى شاعرنا وهو يعبر عن هذا النموذج قبل أن يجرفه التيار ويتحول :

( في هذا الحر الضاغط والمثقل

في الصالة تجلس زوجتك الصفراء

ترتقُ جوربها المقطوع ،

تشرب كوبا من شاي بارد

سقطت فيه ذبابة

لا تحلم هذا الأسبوع

بزيادة راتبك المقطوع

فاعبد ربك وتيقن أن الله الرزاق

وتوكل ! )

في هذا المقطع يقدم لنا معاناة الموظف والمثقف ، واستخدم مفردات ولغة هذا الموظف المثقف البسيط ، وهو ما نسميه في القصة لغة الشخصية ، وهي لغة واقعية ولكنها فنية وتشع بالجمال ، فالشاعر يرسم لنا صورة ، صورة الشخصية ، وفي سبيل رسمها حشد الشاعر جُملة كبيرة من الأمثال والحكم والمواعظ والكلمات التي تتناثر على ألسنة العامة وقام بتفصيحها وترصيع القصيدة بها وأصبحت من نسيج القصيدة .

مثل : ( امش جنب الحائط )

( لا تتكلم فيما لا يعنيك )

( أنت عبرت الخط الفاصل بين الفقر وهطول الأمطار )

( فسيأتيك المالُ لعتبة بيتك )

( لا تبدو بارقة في الأعين )

( احمد ربك )

( واحصد ما زرعته الكفان )

... في زمن ( مسيلمة الكذاب ) الذي استباحوا فيه الوطن والعرض ، وشيعوا زرقاء اليمامة في الفجر وهم يغنون ، تضيع بغداد ، ويجيئ المتنبي ليشرب القهوة في فندق الرشيد ، أو بالأحرى يأتي حسين علي محمد ليشرب القهوة سادة في فندق الرشيد ورمز القهوة السادة غير خاف على القارئ

( تجلس في أبهاء الفندق

تشرب قهوتك المُرة )

ويسأل الشاعر :

( قل لي ..

من أين يجئُ الشعر الفاجعُ

في هذا الليل الخانع

بالعزم الجبار؟!

هل مازال الوهم يراود قلبك

عن ظل طريق يمتدُّ من القاهرة إلى بغداد )

والقضايا التي يثيرها الديوان كثيرة ، والشاعر لا يقف عند حدود الرصد ، ولكنه رغم عتمة الواقع وضبابية الأيام ، ثمة أمل يلوح ، في ( صهيل قادم ) : ( ها أنت يا قمري تستفيقُ

ويبدأ فجرك يغمرني

في زحام الخواطر .. بالفتح

يُطمعني في رحيق الصهيل )

لاحظ مدلول لفظة الصهيل ووقعها في النفس العربية ، حينما ترتبط بالفتح ، والفتح مرتبط بالحصان ، وهي لحظة إشراقة مستوحاة من التراث والتاريخ ، تحيلنا إلى الفتح العربي والاسلامي المبين ، تحيلنا إلى أمجاد وحضارة صنعناها في زمن الحصان العربي الأصيل .

والشاعر يقدم لنا صورا مكثفة تعج بالصوت والحركة وتأمل المقطع السابق وهذه الصورة المشرقة : القمر يستفيق من غفلة أو نعاس وهو رمز ، والفجر يغمر الشاعر أو الوطن بالضياء ، إيذانا بطلوع نهار جديد عليه وعلى الوطن والأمة ، نهارا ينبثق من ظلام طال ، والصوت في صهيل ، والحركة والفعل في فتح ، وهكذا تأتي صور الشاعر ، وفي ( ليلى .. لا تجدد أحزان قيس ).

تأمل هذه الصورة وما فيها من أصوات وحركة أيضا :

( على شاطئ الوجد ، هذي بحيرة نأيي تثغو ،

كمثل الشياة الصغيرة )

ويمتلأ الديوان بمثل هذه الصور الجديدة والمبتكرة ، وعلى الباحثين عن الصور الجديدة والمبتكرة وغير المستهلكة بقراءة قصائد هذا الديوان وغيره من دواويين شاعرنا الكبير.

وإذا كنا قد نوهنا إلى ملمح الحزن ، حيث يبدو الشاعر حزينا ، وكل شاعر ومثقف حقيقي حزين ، وهذا الحزن ينعكس على القصائد ، فتأتي حزينة ، وتعج بمفردات الحزن ، والأمثلة والشواهد كثيرة في هذا الديوان .

وملمح آخر وهو : الموت

فالموت ومفرداته متناثرا أيضا في قصائد الديوان ، بل إن القصيدة التي استهل بها الديوان ( فتنة ) يطل الموت منها :

( لم أنتبه للموت القادم في أحذية صراخ أجوف

يغتصب نهارا لم يأت إلينا مجانا )

لاحظ قوة الصورة واغتصاب الموت للنهار | العمر ، العمر الذي ضاع في صراخ أجوف

ويبدو أن بثينة هنا هي الدنيا التي فتنته .

( مفتتنا بغناء بثينة ، أمضي

أحمل أمتعة ، وطقوس سفر )

فهي الدنيا التي تفتننا ونسير وراءها وتسحبنا كالنداهة ونحن مغيبون ، وغالبا لا نكتشف الحقيقة إلا في نهاية العمر وقد لا نكتشفها ونظل مغيبون ، ولكن شاعرنا في لحظة صدق نادرة يقبض على الحقيقة :

( شعري ضاع بمعزوفات أصابعها

والأمراءُ ، الكتبةُ ، ساقوا أمواج نفايات القول

إلى مزبلة الكتب المحفوظة للزينة )

وبثينة هنا تأخذ رمز مركب ، أو هي رمزا داخل الرمز ، فهي على مستوى الرمز القريب | بثينة التراثية وعلى مستوى الرمز البعيد هي الدنيا ، وهو يتقوى ببثن | الرمز القريب في مواجهة الموت ومواجهة الموت عند الشاعر في أحايين أخرى بالشعر والغناء ، ولكنه يتقوى ببثن :

( تعالي يابثنُ بأخضرك المتهدل –

بين الليلة والبدء نحاصرُ

هذا الموت المتغطرس ! )

وسوف نستكمل قراءتنا لإبداعات الدكتور حسين علي محمد في هذا الديوان وغيره بإذن الله في أيامنا المقبلة . ونرجو أن نكون عند حُسن الظن وعلى مستوى الثقة ومن الله التوفيق.

Admin
Admin

عدد المساهمات : 49
تاريخ التسجيل : 09/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://monharet.dahek.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رحم الله الدكتور حسين

مُساهمة من طرف عبده في الثلاثاء يناير 25, 2011 12:49 pm

رحم الله شاعرنا الكبير والذي اختار المتنبي ليشرب القهوة في فندق الرشيد !! كيف غاب مغزى هذا الاختيار عن ذهن ناقدنا الأستاذ مجدي وهل العنوان يشير إلى دلالة معاصرة ؟
بالتأكيد الديوان يقول تصريحا وتلميحا الكثير وعلى نقادنا أن يقتربوا من هذا أكثر والله الموفق.

عبده

عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 11/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى