" زهر الحناء " للدكتورة هيام صالح

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

" زهر الحناء " للدكتورة هيام صالح

مُساهمة من طرف مجدي محمود جعفر في الإثنين يناير 03, 2011 11:22 am

زهر الحناء " لهيام عبدالهادي صالح



بقلم / مجدي محمود جعفر



هل تستطيع المرأة العربية الكاتبة ، ونحن في العقد الأول من الألفية الثالثة – أن تكون شهر زادا أخرى ؟! .. وقد استوى لها العرش وطاب ، وتنادي على مسرور السياف كي يقطع عنق شهريار !!

ستظل حكايات ألف ليلة وليلة ، بسحرها وغرائبيتها وواقعيتها أحيانا ، معينا لا ينضب ، ومددا لا ينفد ، تجتذب أجواؤها شباب كتابنا وشيوخهم ، وهيام عبدالهادي صالح واحدة من هؤلاء ، تقاطعت مع حكايات شهر زاد في روايتها " زهر الحناء " على مستوى الحكي واللغة ، مستخدمة بعض الجماليات من سجع وطباق وجناس .. إلخ من البلاغيات القديمة مما جعل للغتها جرسا موسيقيا جميلا ، ونغما محببا ، افتقدناه في السرديات الجديدة ، ولنقرأهذه الفقرة ( بالبحث والتحري واستدعاء الطبيب الشرعي . قلب الطبيب العظام وتفحص . سأل عن الرأس وتمحص . أفتى أن العظام ليست آدمية .. ربما جنية أو حيوانية . ولما طال البحث وتعذر الوصول . حفظت القضية ضد مجهول ) .. ونعتقد أنها وفقت تماما في اختيار الشكل واللغة التي تتناسب مع الموضوع الذي اختارته لأحداث روايتها الأولى ، التي تدور في نجع من نجوع الصعيد الجواني ، والنجع مغلق ، شأن الدائرة ، وعبر عادات وتقاليد متوارثة ، ضاربة في عمق الزمن ، استحكمت الدائرة ، واستغلظ منحناها ، واختراقه أو الإنفلات منه يعد أمرا بعيد المنال ، ولكنه على أية حال ليس بالمستحيل . وتبدأ هيام الرواية بداية غرائبية وتدخلنا في الحدث مباشرة .

( يقسم كل شاب في النجع تضربه الشمس بكرابيجها اللاسعة ، وتلفحه رياح السموم في قيظ الظهيرة .. أنه ما أن يلامس جسده الماء حتى تهل بجلبابها الأسود ورائحة الحناء تفوح منها . تسير على الماء بأقدامها العارية ، يهتز الماء ، تهتز فروع النخيل ، يتساقط رطبا ، طرحتها تتماوج مع الريح ، تكشف عن ضفيرة سوداء طويلة تتأرجح مع خطواتها ) .. هذه هي " حنة " البطلة ، الغائبة / الحاضرة ، ورغم الغياب ، حققت وجودا فاعلا ، واستطاعت الانفلات من أسر العادات والتقاليد التي تحكم النجع . رغم أن البنت في النجع تعيش في صمت ، وللصمت لغات أخرى .. ( لو تقفل البنت حنكها لايصطاد الهوام ولا يقف فيه برص ) ، ( ما نملكش غير السكات نزرعه على الأبواب يضلل عليها ويفرش على الجدران . نرضع الصمت واحنا صغار .. يهتوا فينا لما نتحداه بلعب أو بكا ) .. ( يقتلنا السكات من زمان ) ، ( الضحكة على وجوه البنات في قريتنا قصيرة .. مكتومة . الضحكة عيبة . ألف يد تبترها ) .. ( إحنا مش زي بقية البنات .. مالنا والحب وحواديت الأفلام ، إحنا ما نملكش نشوف محبوبنا مكان ما نحب .. وقت ما نحب .. ما نملكش النهاية السعيدة ، مالنا نتعلق بالمستحيل ؟ ) .. هل تعانق " حنة " المستحيل وتتخطى أسوار الصمت وتصنع حكاية ؟ . هذا ما فعلته " حنة " بغيابها الذي يقترب من الأسطورة ، ويظل اختفاؤها لغزا يحير أذهان أهل النجع رغم أن " أمين " – عريسها – نجح إلى حد كبير في إيهام أهل النجع الذين يعشقون الحكايات . بأن قطا أسود فيه مهابة أسد غضنفر .. عيونه خضراء جريئة تندب فيها ألف عصاية وعصاية ، القط أسود بلون الليل الغطيس .. مبتور الذنب ، خرج لهما وهما يتناجيان في ليلة العرس قلت له : ( " بس " ما ردش ، " بس " تاني ما ردش .. رماها بنظراته الجريئة ، قلت له " عاجباك " ! .. خدها .. " أخدها واختفى " .. ) وهيام التي بدأت الرواية بداية أسطورية ، تسعى على مدى صفحات الرواية إلى أسطرة كل شيء – في بناء محكم لا يخضع بالضرورة للمنطق والعقل والعلم بقدر ما يخضع لضرورات الفن ولمقتضيات العجائبية التي تنتهجها الكاتبة في الرواية . فنرى عاشقين قتلا نفسيهما حزنا تحت شجرة توت ثمارها كانت بيضاء اللون .. جذور الشجرة تشربت دماءهما فاصطبغت الثمار المتدلية باللون الأرجواني ، من يومها وثمار التوت البيضاء أصبحت بهذا اللون ! .. فهل يفعلها أمين . كما أقسم لأهل النجع وهو يحكي حكاية " حنة " والقط الأسود ، ويقتل نفسه حزنا على حنة ويظلل جسده شجرة الحناء ، بعدها - حين تعود حنة – ويفك القط إسارها وتقتل نفسها حزنا عليه – تصطبغ زهرات الحناء بدمائهما وتصبح حمراء قانية ؟! .. هل يفعلها أمين الذي لايكف عن سرد الحكاية وفي كل مرة يضيف إليها ، ما يشعل خيال أهل النجع .. ( رميت للقط ورك بطة .. ما رفعش عنها العين ، على السرير رمت فستان فرحها وطرحتها .. التفت هو ناظرا إليها وهي ناظرة ليه . قلت . " إيه ياقط ! ما شفتش حريم قبل سابق ؟ " . رعبني بنظرته لي .. بصة المرحوم أبويا قبل ما يريح كفه على خدي .. قلت له عجبتك خدها .. خدها ) .. وشرب أهل النجع حكاية أمين مع شاي المجالس ، وشاركتهم الحكاية فرحهم وحزنهم مع شربات الأفراح وقهوة الحصاير . يجترون الحكاية في قعدات المصاطب والمنادر ! . وأصبح الكل مسكونا بحنة – فها هو عريس ينزل النهر ليغتسل ليلة زفافه ويخرج صارخا ناسيا ملابسه وأين خلعها ، فرآها تمشي فوق الماء ! .. ووصفها كما وصفها السابقون .. ولكنه أضاف : ( أن كفها كانت تعانق كفا آخر – غريب – لم نعد نراه في البلد – يوسف الغريب – كان كثيرا ما يجوب القرية ليشتري ثمار " المانجو " ، وهي والغريب – بمجرد رؤيته تسلقا أشعة الشمس الغاربة ، أفسح الموج لهما ، شقا صفحة الماء واختفيا ، تاركين آلافا من كرات الريح المتناثرة ) .. أين الحقيقة ؟ ومن يمتلكها ؟ . سؤال يلح على المتلقي في زحمة الحكايات .

الحقيقة تملكها ( سمرا ) أخت حنة والتي كانت هي الأخرى ضحية العادات والتقاليد بالزواج من ابن العم – والذي أتى لها بضرة بعد عام وتركها تعاني الوحدة والحرمان في بيت أخيها ، وتقع في هوى بدر الغريب ، تقول سمرا : ( يوسف الغريب يخضب وجهه العسل وعيناه بلون العسل ولسانه يقذف بالعسل ) .. تقول سمرا : ( للناس في بلدنا أفواه وآذان وعشق للحواديت .. أتلفت حولي ، هل رآهما أحد ؟ ظل قلبي يدق بعنف حتى تسلل يوسف عبر الزروع للطريق الأسفلتي وعادت حنه تغني وأنا ألملم شتات دقات قلبي الضطربة ! ) . ( يسأل أخي الكبير " لأ ليه ؟ " .. عيبه إيه ؟ . " مش عايزاه ياخوى " . يرمقها بنظراته الغاضبة " ما عندناش بنات تقول لأ .. " .. أخونا كبيرنا يقول " يوسف الغريب " – طمعان في شجرنا ومالنا وأرضنا .. من ميتى بندي بناتنا وخيرنا للغريب .. أمين ابن عمها أولى بيها ) .. ( حنة ترى أمين ابن عمها تلوي بوزها وتصمت .. كلما اقترب موعد زفافهما تسقط ورقة من وريقات زهر الحنة ) .

وأبلة " نور " أيضا تملك الحقيقة .. فقد اقتربت من أمين واكتوت بنيرانه وهي البندرية المتعلمة وهو الفلاح ابن الفلاح الذي يستقر طين الأرض ودودها تحت أظفاره وفي شقوق اقدامه الحافية ، فقد خدعها بمعسول كلامه وأفعاله المزرية ..

تقول أبلة " نور " : ( هو فتى أسود يسكن بمكحول عينية قلوب الفتيات ويذكرونه دوما ، يقال له أمين ) ، ( هو ثعلب ) .. ( هو الفتى الثعبان ) .. ( هو الفتى عاشق الحواديت ) .. ( هو الفتى الممثل .. يدعي الجنون ليفلت من لوم الناس على ما فرط فيه .. بنت عمه التي تركها للقط يختطفها أمام عينيه كما يدعي هو .. أو لرجل لتفر معه – كما تدعي الصغيرة ) .. ولذلك – يهيم أمين في الطرقات ، يفتش في وجوه البنات .. ( أسائل عنك قمر الليل ونجوم السماء وشمس الصباح ) .. ( هل رأيتم حنة ؟ ). فحنة عودها عود شجر الحنة ، عطرها عطر زهر الحنة ، صوتها صوت الطيور المحلقة حول شجر الحنة .. خطوها تمايل أشجار الحنة للنسيم . فإذا انطلت حكايات أمين على أهل النجع – فلم تنطل على نور ، فهو كما تقول : ( يمثل كمحترف في الأفلام الرومانسية مع الفتيات في آن واحد ، كلها بلون الحلم – يحتفظ ببطلاته جميعهن لسنوات دون أن تدرك إحداهن أنها ليست البطلة الوحيدة ) .. ورغم أن ثمة اصوات أخرى تملك الحقيقة أو نصف الحقيقة .. إلا أن الحقيقة لابد أن تدفن تحت وطأة العادات والتقاليد ، ورغم أن الرواية – هي الأولى لهيام عبدالهادي صالح بعد مجموعتيها القصصيتين " عيناه ترحل بعيدا للقمر " ، و " للجبل أغان أخرى " – إلا أنها رواية لافتة ، تضيق المساحة . عن استيعاب التقنيات التي استخدمتها ، وما تثيره أيضا من رؤى وأفكار جديرة بالبحث والتأمل

مجدي محمود جعفر

عدد المساهمات : 57
تاريخ التسجيل : 09/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

زهر الحناء

مُساهمة من طرف عبده في الثلاثاء يناير 04, 2011 1:37 pm

رواية أكثر من رائعة ناقشت بصدق هموم ومشاكل المرأة في صعيد مصر ليتك تلقي الضوء أكثر على هذه الرواية وعلى الكاتبة التي يبدو أنها موهوبة جدا

عبده

عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 11/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

زهر الحناء

مُساهمة من طرف المهندس في الأربعاء يناير 05, 2011 10:35 am

رواية مسكونة بالسحر والأساطير وهذا في رأيس الذي أعطاها جمالا وشكرا لكم على هذه المقالة النقدية التي أفصحت عن جمال الرواية

المهندس

عدد المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

زهر الحناء

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة يناير 07, 2011 9:34 am

كتب عبده :رواية أكثر من رائعة ناقشت بصدق هموم ومشاكل المرأة في صعيد مصر ليتك تلقي الضوء أكثر على هذه الرواية وعلى الكاتبة التي يبدو أنها موهوبة جدا
بالفعل هيام من أكثر أبناء جيلها موهبة وقدمت العديد من النصوص القصصية والروائية المتميزة وهي من أبناء الجنوب مولدا وإقامة وتعيش وتعمل بمدينة أسوان كطبيبة بيطرية ومن مكان إقامتها في أسوان فرضت بموهبتها وأخذها الابداع بجدية اسمها على الساحة الثقافية في مصر والوطن العربي وكان لقصر ثقافة ديرب نجم شرف استضافتها أكثر من مرة ونوقشت أعمالها ببيت ثقافة ديرب نجم منذ عملها الأول عيناه ترحل بعيدا للقمر وليس انتهاء بهمسات إمرأة مختلفة وقد لاقت كل أعمالها حفاوة نقدبة طيبة وسوف نلقي المزيد من الضوء عليها وعلى أعمالها ز

Admin
Admin

عدد المساهمات : 49
تاريخ التسجيل : 09/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://monharet.dahek.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى